
فكرة قاسية يضطر الى أن يتعايش معها البعض من غير المؤمنين و هى أنهم لن يحيوا حياة أخرى بعد الموت ..... واقع صعب هذا الذى يحاولون التعامل معه لأنه يتنافى مع طبيعتنا كبشر برغبتنا الغريزية فى الخلود و خوفنا من الموت .
بالتأكيد يلجأون لنظرية تعويضية مثل أنه بموته لن يشعر بالأزمة - أزمة ان لم يعد فى هذه الدنيا و لا فى أى دنيا أخرى - لن يشعر بها من الأساس لغيابه عن عالمنا هذا , أو يتجه لصب وعيه و اهتمامه كله على حاضره حيث أنه لا يملك رؤية لمرحلة أخرى سوى تلك الملموسة التى يعيشها , أو يفكر فى أن يخلد نفسه عن طريق شىء ما , شىء يشهد على مروره على هذه الدنيا و يكون هذا الشىء هو ارثه الذى تركه . النظرية التعويضية الثالثة تسكن بداخلنا جميعا سواء كنا مؤمنين بالحياة بعد الموت أم لا , لا يوجد انسان لا يرغب فى أعماقه فى الخلود , قد نختلف فى سبلنا لتحقيق هذا , قد نختلف فى شدة رغبتنا فى الأمر نفسه و لكن المؤكد أنه هاجس نحاول دائما تفادى مواجهته من خلال الاندماج مع ايقاع حياتنا اليومية حتى لا نتوقف للحظات و نسأل أنفسنا : طب أنا دلوقتى هنا , بكرة ح أبقى فين ؟؟ أنا اعرف هنا بس معرفش المكان التانى , طب لو سبت هنا ازاى العالم ح يكمل من غيرى ؟؟ .
و لأننا كما قلت نختلف فى درجة قوة هذا الهاجس لدينا , نجد من هم مرتاحون , مرتاحون لأن الهاجس عندهم شبه نائم فلا تزعجهم كثيرا فكرة أن بعد رحيلهم لا يوجد شىء ذات قيمة يذكر الباقين بهم , هذا لأنهم مؤمنون بأن سيرتهم الطيبة ستعيش بدلا منهم على الأرض , لكن الى متى ستعيش سيرتهم الطيبة ؟؟ لا يعنيهم هذا . أبسط صور التعبير عن رغبتهم فى البقاء قد يكون حامل لقلل مياه السبيل على ناصية شارعهم كصدقة جارية على أرواحهم , و لكن حتى هذا الفعل على قدر قيمته النبيلة الا أن يتخلله رغبة فى أن يظل شىء منك فى الدنيا ممزوجة بوازع دينى متعلق بالأخرة أكثر منه بالدنيا , لذلك أقول أنهم مرتاحون .
أخرون لهم تطلعات أكبر , تتضمن وجود أبناء يحملون اسمهم سواء كان الشخص منهم عامل نظافة أو حتى رجل أعمال صاحب مجموعة شركات ضخمة , فى الحالتين ينتظر الأبناء لكى على حد القول "يشيلوا الاسم " سواء كان هذا الاسم هو لعامل النظافة او لرجل الاعمال , و لكى أيضا " يمسكوا الشركة من بعدى و يكبروها فى السوق " و هذا القول فى حالة رجل الأعمال فقط بالطبع . و لذلك غالبا ما ينتظر من يخلدوا أنفسهم بالأبناء المولود الذكر لأنه هو و ذريته سيكونون حملة الاسم فسيظل هناك من سيوقع بهذا الاسم , و يستخرج أوراق رسمية مدون فيها هذا
الاسم لمدة مائتى عام على الأقل و بهذا لن يقلق هو من أن يموت دون أن يكون له " حس فى الدنيا " .
و من بين معارفنا و أصدقائنا و كل من مروا علينا فى حياتنا , نجد أن ثلاثة أرباعهم - ان لم يكن أكثر - ينتمون لمن هم يخلدوا أنفسهم عن طريق فعل بسيط كمياه السبيل أو عن طريق وجود " الحس فى الدنيا " , لأن الغالبية العظمى لا تشغلهم قضية ما الذى سيحدث بفنائهم و هل سيحدث غيابهم فرقا كبيرا أم لا , و ان كان كما قلت يظل الهاجس موجودا .
و يتبقى لدينا هذه الفئة القليلة و التى تحمل فى طيات تحققها فى الدنيا رسالة انسانية بالمعنى العام للمفهوم .
هؤلاء غالبا - و ليس دائما - ممن يعملون أو يتحققون من خلال أعمال ذات بعد انسانى , مثل الفن بأنواعه , و الكتابة و العمل السياسى و الى حد ما الاعلامى أيضا . و كثير من المنتمين لهذه الفئة اتجهوا لهذه المجالات من الأساس فقط لتحقيق فكرة الخلود حتى و ان لم يعوا هم ذلك , صحيح أنهم قد يمتلكون الذكاء أو الموهبة أو الاثنين معا الا أن هاجس الخلود دائما ما يعبث بسلامهم النفسى .
و من صادفته السوناتات التى كتبها الكاتب المسرحى و الشاعر الانجليزى الكبير وليام شكسبير و كذلك أعمال نظرائه من أدباء هذه الفترة ( القرن السادس عشر ) يكتشف أن فى بعض أعمالهم يصرحون بالفعل بأنهم يكتبون اما ليخلدوا أنفسهم أو ليخلدوا حبهم أو ليخلدوا المحبوبة نفسها .
مما لا شك فيه أن شكسبير و سبنسر و غيرهما , شعراء ممتازون بل هم رواد الشعر فى اوروبا و العالم كله و لم ينقصهم ذكاء أو موهبه تدفعنا للتساؤل عن السبب الحقيقى وراء اتجهاهم للأدب , الا انهم أدركوا أن هاجس الخلود هذا هو أحد دوافعهم الرئيسية للكتابة , و لشدته لديهم عبروا عنه فى أدبهم .
المبدعون يتباينون فيما بينهم , فهناك من يرضى و يقنع بأن يكون عازف جيد يؤدى مقطوعات موسيقية شهيرة لموسيقيين أخرين و يتوقف عن هذا الحد و يقنع بهذا , و هناك من يكون عازف ممتاز و يقيم حفلاته بأرقى المسارح و دور الأوبرا
ثم هناك من يرفض أن يظل ناقلا لما أبدعه الغير و يشرع فى تأليف مقطوعاته الموسيقية بنفسه , و من بين هؤلاء المؤلفون ستجد قليل منهم يحققون نجاح ملحوظ و فى تاريخ التأليف الموسيقى كله سنتذكر أسماء تعد على اصابع اليد هى التى سيظل الناس يلمسون أثر ما قدموه طالما بقى فن الموسيقى على الأرض .
بالطبع لا توجد حدود قاطعة فاصلة بين الساعين للخلود بالابداع بعضهم البعض , فقد تكون - كالمثال السابق - مؤلف موسيقى و لكن منتهى أملك أن تصل لما حققه عمرو مصطفى مثلا بخلطته الموسيقية الشهيرة , و تكتفى بهذا و ترضى جدا عن نفسك هكذا , أو أن ترى قمة النجاح فى أن تعزف " الصاجات " فى فرقة سعد الصغير و هكذا .
معظم من عرفتهم بشكل شخصى من مبدعين هم من فئة الناس "الطبيعية " , أى يريدون اصدار مجموعة قصصية تحقق رواجا كبير و استحسان نقدى , اخراج فيلم يشارك بالمهرجانات و يحصد الجوائز , اصدار ألبوم غنائى يستمع اليه الجمهور العالم العربى كله ...... و هناك يتبقى عدد من ( 2- 3 ) ممن هم " مش طبيعيين " و اللذين يتصورون أن بامكانهم تغيير العالم بعملهم , و تحقيق انجاز واحد من نوعه , يحدث تأثير كبير فى حياة الأخرين , يحدث ثورة فى مجالهم و فى نفس الوقت يسعون لنيل النجاح الشخصى و الرضا النفسى المطلوب هم يحملون هم ( بفتح الهاء ) العالم على أكتافهم و يظنون أن الله أوكلهم بحل المشكلة و تحقيق الخلاص .
و هؤلاء لم أقابل منهم سوى اثنين فى حياتى .
فالطموح درجات , و كل درجة من الطموح يكافئها درجة من مقدار قوة هاجس الخلود لديك ......
و لأن جميعنا نخشى أن ننزل تحت الأرض بعد أن مشينا عليها و اختبرناها و عرفناها .......... نخشى من هذا المجهول بالأسفل , فنريد أن نترك شيئا منا
بالأعلى .