

فى السنوات القليلة الماضية , انتشر نوع من الملصقات ذات طباعة فاخرة و تنوع , على جدران و حوائط المبانى و المنازل و بوسائل المواصلات , و حتى داخل الهيئات الحكومية و الخاصة و هى ملصقات ذات طابع دينى.
هناك ما يجمعها فى الظاهر من قواسم مشتركة , و هناك ما يميز ملصق عن أخر من حيث الهدف منها , و اتضح لنا أن الهدف يختلف باختلاف المكان الذى تنتشرفيه هذه الملصقات , بمعنى أن أكبر صور الاختلاف تظهر بين الملصقات الدينية الموجودة داخل الجامعات الحكومية و الملصقات الموجودة بأى مكان أخر سواء وسيلة مواصلات أو حتى فى الشارع .
*المشترك بين الملصقات الجامعية و الملصقات الدينية خارج الجامعية :
1) الملصقات العامة .
و الموجهه لأى مسلم كان , تحث على ذكر الله و الاستغفار , أو تذكر ثواب صوم رمضان و فضائل الشهر الكريم – و هو امر لا تحفظ عليه على الاطلاق –
2) العنف و الترهيب.
العنف و الترهيب الموجه فى هذه الملصقات من خلال الصياغة أو بعض الصور و الرسومات التوضيحية , أو فى التعليقات المكتوبة بخط اليد فوقها من قبل المارة .
مثال : صورة لمومياء تتوسط حروف موسيقية من جهة , و حول هذه الحروف نيران , و فى الجهة المقابلة القرأن الكريم .
3) الحث على الشكليات .
الحث على الالتزام بشكليات التدين مع اغفال الجانب الخاص بالأخلاق و المثل العليا مثل ( الكذب – النفاق – الرشوة – احترام الكبير ) و هو ما يتضح فى الحديث عن الزى الشرعى أو أدعية دخول الخلاء أو حكم القسم بغير الله .
مثال1 : من حلف بغير الله فقد أشرك .
مثال 2: كان الرسول (ص) اذا دخل الخلاء قال :
اللهم انى أعوذ بك من الخبث و الخبائث .
4)الابتعاد عن النص المقدس:
عدم الاعتماد على النصوص القرأنيه – فى اغلب الأحوال – بل على الأقوال المأثورة أو المؤلفة , أو أبيات شعرية , يليها الاعتماد على الأحاديث الشريفة .
مثال1 : يا من بدنياه اشتغل
و غره طول الأمل
الموت يأتى بغته
و القبر صندوق العمل
مثال 2 : بلادى لن تموت و اسلامى سيسود
و الخط سميك فى كلمة " سيسود "
* ما تختلف فيه الملصقات الجامعية:
· من خلال رصدنا ل 24 ملصق ( أى أن كل ملصق نموذج يختلف عن الأخر , و قد يتكرر من الواحد المئات ) , وجدنا أننا اذا استثنينا منهم الملصقات العامة, نجد أن الملصقات الموجهه للفتيات تصل ل 11 ملصق و أن عدد الموجه للفتيان لا يتعدى الاثنين .
1) الذكور لا يخطئون :
معظم الملصقات الخاصة موجهه للفتيات , و يصل عددهم فى الطابق الواحد بأحد المبانى الجامعية الى ثلاثة و أربعة كحد أدنى .
مثال1 : ليكن حجابك
و صورة لامرأة ترتدى الخمار
ملحوظة : مكتوب على هذا الملصق بخط اليد "فكيف يكون حالنا عند الموت ؟ "
+ هو ده الحجاب غير ذلك لا تحسب عند الله (بخط اليد أيضا ) .
مثال 2: لبس البنطلون للمرأة لا يوافق الشرع
لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء
و المتشبهات من النساء بالرجال .
2) الملبس أولا :
معظم الملصقات المخاطبة للفتيات تتحدث عن اللباس الشرعى , على الرغم من أن الأغلبية بالفعل محجبات , و المثال التالى يوضح ذلك بالاضافة للعنف الفكرى الذى أسلفنا ذكره :
مثال : الأخت غير المحجبة .
أنت سهم فى جعبة الشيطان .... و فتنة لأهل الايمان و سيفا فى يد الأعداء .... أحذرك القبر و ظلمته .... اركبى يا اختاه قطار التوبة قبل أن يرحل عن محطتك .... أختاه خافى من الله العذاب .... و تذكرى يوم الحساب
3) النقاب :
و هناك حضور مكثف أيضا للملصقات التى تفرض النقاب و ترى أن الحجاب تبرج .
و لدينا مثال " ملصق لأربعة فتيات
الأولى منتقبة : و مكتوب تحتها " الحجاب الشرعى "
الثانية ترتدى الخمار : قد يقبل من المسلمة و هو قول ضعيف
الثالثة ترتدى حجاب و بنطلون و الرابعة ترتدى حجاب و جيب , و مكتوب تحتهما : قال تعالى " و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" , و (من هنا نبدأ و فى الجنة نلتقى )
ملحوظة : مكتوب بخط اليد على الملصق ( لا للتأليف و الفتوى )
4) التكرار :
نلاحظ أيضا تكرر نفس الملصق أكثر من مرة فى منطقة محدودة , أى أنه لا يخلو طابق دون ملصقين على الأقل للزى الشرعى , و لا تخلو حوائط درجات السلم من ملصق عن حكم التعطر فتستطيع أن تراه الى ثلاث مرات فى الدورين
مثال : ( المرأة المتعطرة
أينما امرأة استعطرت , فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهى زانية )
5 )و ملصق للفتى :
هناك نوعان من الملصقات للذكور , أحدهما عن التدخين
, و الأخر عن حكم مصافحة النساء , و أعتبر أن الأخير غير موجه للفتيان بشكل خاص , لأنه فى النهاية يتضمن علاقته بالفتيات و أن مصافتحها حرام .
و وجدنا أنه فى مبنين يتكون كل منهما من خمس طوابق, لا يوجد سوى ملصقين ينهيان عن التدخين ( أى أن فى المبنى كله لا يوجد سوى ملصق واحد لا يتكرر )
مثال1 : السيجارة لا تصاحبها فى الدنيا
مثال2 : و يتكرر بشكل أكثر نسبيا ملصق مصافحة النساء
( انى لا أصافح النساء .....
لأن يطعن فى رأس أحدكم بمخبط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له )
و فى التعليق على هذه الظاهرة يقول الدكتور "صفوت العالم" الأستاذ بكلية الاعلام جامعة القاهرة :
الجامعات المصرية تفخر بأعداد الطلبة داخل جدرانها , و أنها يدرس بها 200 ألف طالب , و لكن هل يوجد بالفعل أنشطة حقيقية تملأ فراغ هذا الكم من الشباب؟ فالأنشطة الموجودة لا تملأ فراغ ثلاثة أو أربعة ألف طالب , فلا يجد ما يفرغ طاقته فيه , و الشاغل الأول للطالب رجولته التى ادركها و لا يمارسها , و للطالبة أنوثتها التى أدركتها و لا تمارسها .
و لكن الوازع الدينى يمنعه , و الشباب الاسلامى القادم من القرى و الأحياء الشعبية ليس له الا دينه , و عندما يفاجىء بالاختلاط الذى ينتج عنه مشاكل سلوكية عجيبة بالحرم الجامعى , يتجه عن رفضه لهذا الاختلاط بتلك الملصقات .
أما الدكتور "جمال أبو شنب " , أستاذ علم الاجتماع كنج مريوط , فيفسر الظاهرة كالأتى : فى مراحل الخلل الاجتماعى و حدوث ضغوط اقتصادية , يكون الدين هو الملجأ للناس من خلال التمسك بشكلياته , و القائمون على انتاج و طباعة هذه الملصقات هدفهم ليس دينى بالمقام الأول , لذلك لا يخاطبون الجانب الأخلاقى لدى الطلبة , فهم هدفهم دنيوى أكثر منه دينى من خلال التأثير على عقول هؤلاء الشباب , و لا يقتصر نشاطهم على الملصقات الدينية بحسب , بل أيضا لهم برامج أخرى , مثل الرحلات و غيرها , كما ان الأنشطة الجامعية لا تستوعب الطلبة و لا يوجد حوار مستمر معهم .
أما عن ان معظم موضوعات الملصقات موجه للفتيات فيعوز هذا الى : من المعروف أن الحدود لللفتيات أضيق , فيكون التوجه اليها أسهل , كما ان استجابة الفتيات تكون أعلى من الشبان .
و عن العنف الفكرى فى الملصقات يقول : العنف فى المجتمع ظاهرة غير اخلاقية لأن الأخلاق تهذب فكر و سلوك الأفراد , فطالما ارتبط العنف بمراحل التخلف الأولى , و لعدم وجود رؤية واضحة و غياب اليقينيات فى الدين يلجأ الأفراد للعنف فى عرض أفكارهم , فأصبح لا يوجد أى مدخلات معرفية للشباب سواء من خلال الأسرة أو المؤسسات التعليمية .
أما الدكتور جلال عبد الخالق , نقيب الاجتماعيين , فأول ما وصف به هذه الملصقات أنها : مسيسة , أى لها بعد سياسى واضح من قبل الجماعات التى تقوم بكتابتها و توزيعها , و لكن لا بد أن نسال أنفسنا أولا , لماذا الملصقات ؟؟ ,
المؤسسات التربوية أصبحت هزيلة و بغياب دورها يتدخل أى شخص للقيام بهذا الدور عوضا عنها , فالمؤسسة التربيوية الأولى و هى الأسرة لا تقوم بدورها كما ينبغى , و يتلقى معظم الشباب أفكارهم و مبادئهم من أصدقائهم , أو حتى من الشارع , و بهذا يكون أول وسيط تربوى لدينا لا يؤدى دوره .
ثانيا :المدرسة , فكانت فى ما مضى هى مؤسسة ذات دورين : تربوى و تعليمى , و تلاشى الدور التربوى , و مع الوقت تلاشى أيضا التعليمى , أى أن العملية التربوية الأن أصبحت تتم خارج أسوار المدرسة .
و الجامعة امتداد للمنظومة التربوية التعليمية , و لكنها أمعنت فى اهمال دورها فى هذا الشأن , حتى الاعلام أصبح يصدر فن هابط و ردىء و يحتفى به , فى ظل كل هذا الفراغ لدى الطالب , يكون غزو عقله من اسهل ما يكن , و أسهل طريقة للوصول اليه هو الملصق , و هى وسيلة ناجحة جدا , فهو كوسيلة اختراق سريعة, يعد غير مكلف و ليس له عواقب , فان أتى بنتيجة , يطبعه منه المزيد , و ان لم يات بالنتيجة المرجوة , يحاولون تجديده و جعله أكثر جاذبية .
أما عن مضمون الملصقات نفسها , فيستطرد الدكتور جلال قائلا : بالنسبة للحث على الشكليات , لو القائمون على صناعة هذه الملصقات خاطبوا الجانب الأخلاقى للدين و حثوا على الأساسيات , مع الوقت سيحققوا الشكليات , فلاشك أن الاهتمام بالأساسيات يدعم الشكليات , و لكنهم يصرون على مخاطبة الشكليات بدافع الاستسهال , فالأصعب أن تقول له ارفض الرشوة , أو احترم الكبير .
أما عن التركيز فى خطاب هذه الملصقات على الفتيات : هذا لأن الثقافة المجتمعية ترى أن الفتاة هى مصدر الانحدار الأخلاقى سواء فى البيت أو الجامعة أو الشارع , فلو أنها حميت نفسها لن تساعد الشاب للوصول لهذه الدرجة من الانحراف , و بالفعل الفتاة لها دور كبير فى وضع حدود لعلاقة الشاب بها , و لكن الملبس وحده لا يحقق هذا لأن الدراسات أثبتت أن المحجبات يتعرضن لنفس نسب التحرش التى تتعرض لها غير المحجبات .
أما عن سبب الاقلال من الاعتماد على النصوص القرأنية , فذلك جزء من جماليات الاعلان , فالسجع و الأقوال المأثورة يكونان لهما عامل جذب عن الأيات القرأنية , لأن المتلقى ممكن ان يكون استمع لهذه الأيات او قرأها عدة مرات , و لم يكن لها أى تأثير عليه , و لكن من خلال تبسيط اللغة و تطويرها قد يلفت الانتباه أكثر .
*** لم نطرح الأمر للتندر به , أو لرفضه , بل كمحاولة منا لتفسير ما يتعلق بهذه الظاهرة و التى لها أبعاد أخرى اجتماعية و نفسية و دينية , فأحكام الدين لا تخاطب النساء فقط , و ليس قوامها العنف أو الترهيب , و لا تهتم بمظهرنا أكثر من سلوكياتنا و أخلاقنا , اذن هل نعتبر هذا دين الملصقات ؟؟ أم أنها ليست الا صوت ديننا فى الجامعات و المواصلات و الشوارع ؟؟.