الخميس، 4 مارس، 2010

ايفا

عندما استدعيت هذا الموقف من مرحلة طفولتى , اندهشت جدا , شعرت بأنه موقف أو فلنسمه " حالة " غريبة لا علاقة لها بى , كأنها حدثت مع شخص أخر. فى المرحلة الابتدائية -خاصة السنوات الثلاث الأولى منها- لم يكن لى أى أصدقاء مما كان يجعلنى أبكى كثيرا و أتشاجر أكثر . كنت أبكى بغزارة عندما يرفضن زميلاتى أن يجعلننى ألعب معهن و أعتقد أنى بكيت فى الثلاث سنوات الاولى من المرحلة الابتدائية بما يكفى ليمنعنى عن البكاء طيلة حياتى , و لكن لأنه منافى لطبيعتى أن أبكى فقط فكان كثيرا ما يعقب مرحلة البكاء هذه حالة من " البلطجة " فأبدأ فى العراك مع زميلاتى البنات التى كن يتسفزوننى بقولهم " لو سارة ح تلعب , احنا مش لاعبين " . العراك مع الفتيات كان نادرا ما يصل لدرجة الاشتباك بالأيدى و الأرجل حيث أن الفتيات يفضلن التلاسن ( و فنية الاستفزاز من تحت لتحت ) و هو فن فشلت حتى الأن فى اتقانه , بينما الاولاد يفضلن نظرية ( فين يوجعك ) لذلك كنت عادة ما اشتبك مع مايكل و معتز و باسم و احيانا عبد الرحمن على طريقة المصارعة الرومانى , فبما أن باسم كان " بيظبط " سالى و معتز كان "بيظبط " اسراء و رنا ( فى نفس الوقت ) , و بما أن اسراء و سالى و رنا كن عدواتى اللدودات كان لزاما عليهما ان يركبا الموجة و يتشاجرا مع سارة حتى يكسبا رضا سالى و اسراء و رنا . و من ضمن الأسباب التى جعلتنى ألا أمانع أن اشتبك فى عراك يبدأ أحيانا بزمزمية طائرة فى الجو لترشق فى وجه سعيد / سعيدة الحظ ( استدع مشهد الكاوبوى و الحبل المعقود لتخيل أفضل للصورة ) ليصل الى ان يرمى أحدنا بكل ثقله فوق الاخر مستغلا فرصة ان ضحيته مستلقية على الديسك فى محاولة من المعتدى لأن يبطط الضحية هو أن أول رياضة مارستها كانت رياضة قتالية مما جعلنى أتصور أن حل أى مشكلة يبدأ بقدمى و ينتهى بعقلى . المهم فى كل هذا أن مرحلة العزلة التى كان لى يد فى صناعتها بقصد أو بدون قصد منى نتج عنها الحالة التى وصفتها منذ قليل بأنها "غريبة ". كنا نشترى مجلة بلبل بانتظام و لا نفوت منها عدد أبدأ , و لو تتذكرون معى كانت الصفحة الاخيرة من المجلة مخصصة لعرض صور " أصدقاء بلبل ", كنت لا احب هذه الصفحة و أتساءل " و ح استفيد ايه يعنى لما أبعت صورتى و تحتها اسمى يعنى ؟؟ " ( كنت عيلة رخمة كده ) , و على الرغم من هذا كنت استمتع بتأمل وجه وجه و قراءة اسم اسم من أسماء الأطفال المدعوين بأصدقاء بلبل , و من كنت أشعر بارتياح نفسى لصورهم و أسمائهم , أخذ فى تخيلهم كبنى ادمين , و أعتبرهم من الأن فصاعدا أصدقائى فبما أنه لم يكن لى أصدقاء من مدرستى ربما يصبح أصدقاء بلبل اصدقائى , أو بمعنى أصح تصبح صورهم أصدقائى . و فى مرة من المرات ازداد الأمر سوءا , فبينما كنت أطالع صور أصدقاء بلبل , استوقفتنى صورة لفتاة اسمها الاول ايفا و لا اذكر اسمها الثانى و تعلقت بصورة ايفا جدا جدا , و تمنيت لو أراها فى الحقيقة و نصبح اصدقاء , الامر وصل لدرجة أنى ظللت محتفظة بالعدد الذى به صورة ايفا صديقتى المنتظرة , و لكن لم يتسغرق منى اللأمر طويلا لألاحظ أن ايفا مسيحية , فازداد قلقى عليها , لأن احتمالية دخولها النار عالية جدا كما كان يهمسن لى زميلاتى خبثا و يحدثنى أساتذتى جهرا . " ياللهوى ايفا ح تدخل النار " و اكتئبت بشدة لفتاة لا أعرفها و لكن بما أنى اعتبرتها صديقتى فكان واجبا على أن امنع دخولها النار بأى طريقة ( هذا على أساس أنى كنت ضامنة الجنة فى جيبى ) دخلت لماما فى المطبخ و كانت تقف مواجهة للحوض " ماما هما المسيحين لازم كلهم يروحوا النار ؟؟ " سكتت أمى قليلا ثم أجابت : " الجنة و النار دى حاجات بتاعت ربنا , محدش عارف مين ح يروح الجنة و مين ح يروح النار " , و لانى لم أكن هذه الطفلة التى تقنع باجابة من المستوى الأول فصعدت الحديث :" أه , بس ناس كتير بتقول أن أى حد مش مسلم ح يروح النار " , ماما ترد : "ربنا بيرحم من يشاء و بعدين لو شخص مسيحى كويس ليه ح يروح النار ؟! " , لا أتذكر ان كنت جادلتها أكثر من ذلك و لكن كل اجابات ماما لم ترضنى لأنها اجابات لا تملك الحقيقة المطلقة و لأن من أفاضوا لى بسرى الجنة و النار كانوا يملكون الحقيقة المطلقة الواضحة القاطعة , فكانت خيبة ظنى فى أمى كبيرة , فكنت أمل أن تقول لى " لا طبعا المسيحيين ح يدخلوا الجنة " حتى يطمئن بالى على ايفا و تنتهى المسألة . و بما أن أمى لم تريحنى فاتجهت الى الله , و كمعظم الأطفال فى هذه الفترة كنت أصلى فى المناسبات الكبرى فقط , و لكن يومها قمت باستثناء خاص لايفا , صليت لكى أدعو الله فى نهاية الصلاة ألا يدخل ايفا النار مؤكدة له أنها بنت طيبة ( كما يقول وجهها ) كما انها لازالت طفلة و لم تتسن لها الفرصة بعد لاختيار دينها . و ظلت تصاحبنى حالة ايفا هذه فترة طويلة لا اتذكر المدة , و لكن أتذكر أنى كنت أبكى احيانا عندما اتخيل مصير ايفا المرعب و أتذكرأيضا كم كان يعن لى الكثير مصير صديقتى ايفا . و من فترة ليست ببعيدة , و فى لحظة استدعاء لبعض ذكريات هذه المرحلة من طفولتى اكتشفت سبب تعلقى بايفا , ليس فقط لأنى كنت بلا أصدقاء و جاءت صور أصدقاء بلبل لأجد فيهم ضالتى , ولكن فى الواقع ايفا كانت تشبهنى جدا تشبهنى فى الشكل و فى تسريحة الشعر المعقود للخلف على شكل "كحكة " -و هى تسريحتى الدائمة فى الابتدائية -, ثلاث اختلافات فقط ميزت بينى و بين ايفا , فايفا كانت سمراء , مبتسمة و مسيحية . و يبدو انى وقتها لم ألاحظ الاختلافين الأولين , و لكن بالتأكيد لاحظت الأخير , الامر الذى يجعلنى أتسائل الان لم صليت لها داعية لها بالنجاة فى الأخرة ولم لم أصلى لنفسى حتى تصبح لدى ابتسامتها التى بالتأكيد لو كان عندى مثلها لكنت انصرفت عن خوض معارك الزمزمية المستمرة ؟؟, أو حتى لم لم أصلى داعية الله بأن " أظبط " معتز أو باسم أو مايكل لكى أغيظ رنا و سالى و اسراء ؟؟ .

هناك 15 تعليقًا:

micheal يقول...

جميل البوست ده يا سارة..حسيت فيه بأحاسيس طفلة فعلا بتتلقى كلام زي ده ورد فعلها البريء تجاهه بس هنا فعلا لازم أحيي ماما اللي بدات ترشدك ازاي تفكري صح في المواضيع دي
بعيدا عن لب الموضوع..دلوقتي أنا عرفت بس نبرة التحدي في ردك على سؤال ال
arm wrestling
جاية منين
:)

Zika يقول...

لأ تصدقي مش عارف اقرا هنا
هاروح ارد هناك

Tarkieb يقول...

مع احترامي لكل كلامك وحكايتك معرفش ليه حاسس انها عاملة زي حكاية المقدس عزيز بدر نوفل لما راح يجيب الشيخ حسن مصطفي ...يا اختي لما حد بيحب حد او يرتاح له ويصاحبه مش بيساله لا عن دين ولا حاجة....عقلية طفلة بتقري بلبل بتفكر كدة؟ وبعدين هو ايفا اسم مش ممكن مسلم؟ ايفا يعني حواء.....جميلة الحكاية بس محستش بها واكيد عيبى بقى ......وكل الناس اللي بتحكي كدة عن مسلم ومسيحي عايشين لسه في الماضي .....كتر الكلام عن الحكاية دي باحس انه مفتعل وعامل زي مائدة رمضان اللي بيحضرها القسيس والشيخ ورافعيين ايديهم بعد ما اكلو قدام الكاميرا وبعدها كل عام وانتم...

سارة نجاتى يقول...

مايكل

شكرا يا مايكى
بالنوسبه لنبرة التحدى ( ضحكة شريرة متقطعة ) أشوفك على خير بقى

سارة نجاتى يقول...

زيكا

تعليقك وصل هناك يا معلم

سارة نجاتى يقول...

تركيب أو تراكيب

لا طبعا أنت تقول رأيك براحتك
بس حابه الفت نظرك لكام حاجة منهم انى معرفش حكاية المقدس عزيز دى

ههههههههه
بالنسبة لما حد بيحب حد مش بيسأله على مش عارف ايه على عينى و راسى طبعا , و فكرة أن كتر الكلام ده عامله زى القسيس و الشيخ اللى بيبوسوا راس بعض دى حقيقة طبعا

بس مش ده المغزى من كلامى خالص خالص

و لا له دعوة بالوحدة الوطنية , و لا باننا اخوات و و بعلاقة مسيحى بمسلم , المعنى متلخص فى أخر سطرين كتبتهم

انا مبحبش مبدأ أنى عشان كاتبه و فى نيتى حاجة انى أدافع عن قصدى ده و بالعكس حلو لما الناس تشوفه بزوايا تانية ’ يمكن لو كنت عندى ع الفيس و شفت التعليقات كنت فهمت اكتر

بالنسبة لعقلية طفلة بتقرأ بلبل بتفكر فى كده؟؟... الموقف ده حصل بحذافيره معايا , دى تجربتى الشخصية من الألف للياء .

ايفا كانت مسيحية عشان من اسم أبوها كان اسم كهنوتى و مش فاكراه دلوقتى بس سألت و عرفت وقتها أنه مسيحى .


تحياتى

youssef يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
youssef يقول...

و احنا بنلعب ماتش كورة زمان وقعت وقعة جامدة في اوله .. الناس قومتني عشان اكمل لعب و حايلوني كتير .. لكني غضبت جدا و اتخانقت مع الولد اللي كعبلني و خرجت من الملعب اتفرج من بره .. حاولوا يصالحوني طول الماتش و يخلوني انزل تاني مارضيتش .. و اعتزلت لعب الكورة لسنين .. بعدها عرفت انا ما رضيتش ارجع ليه .. الوقعة شئ عابر مش هي اللي ضايقني .. انا اللي كنت اناني بطبعي .. و عند اول فرصة قررت اتغابي علي الناس و اغلس عليهم و انسحب لوحدي و انا باحتقرهم .. انا ما فهمتش ده الا بعد وقت طويل لما حبيت العب و مكنتش بالاقي مكان وسطهم !!

ما لقيتش تعليق غير اني اقول الموقف دا يا سارة .. مش تطابق في المواقف لكن الفكرة في حاجة .. لما بنتكتف في اقفاص حديد من غير ما ندري او نقرر او نفهم .. لما بنندفع لتصرفات شاذة منعزلة بتلقائية و اتزان عجيب .. لما نقرب اكتر من نفوسنا و نتحبس في انانيتنا و نخلق لها مبررات او نطلب لها المغفرة أو نسقطها علي غيرنا بدل ما نتواضع و نكسرها و نخرج منها بره القفص .. رغبتك كانت تلعبي مع الناس مش القعدة مع الاحتياطي لكن - لسبب ما - رغبتك كانت بتتحول لشكلها العنيف .. عارفة هتكملي بنفس الطريقة و لا تحوليها لطريق تاني حميم .. عارفة ان السؤال عن الاسباب عقيم زي تنهيدة عميقة في ليلة من الوحدة و الارق ؟؟ .. عارفة مش كده .. و انا عرفت برده .. عرفت بشاعات عن نفسي مشفتهاش و انا صغير ابدا .. عرفت اني لو وقفت افكر ليه و ازاي كنت هموت في مكاني .. لكني قررت اخرج من القفص و كنت محظوظ وقتها .. مكنش الوقت فات لسه ..

حسيت كلامك تلقائي خارج من القلب .. و دا الجميل
تحياتي

سارة نجاتى يقول...

يوسف

كلامك معظمه صح عادة السلوك بتاع الطفل فى السن ده بالذات هو اللى بيحصره فى شكل معين مش بيعرف يخرج منه بسهولة
يعنى أنا مش عارفه ازاى كنت بضرب العيال بالزمزمية و تانى يوم اثولهم لعبونى معاكم ههههههههه
بس محدش بيطلع كده شيطانى يتهيأ لى ان دور البيت بيأثر أوى فى الموضوع بالذات فى السن ده

و بلاش تقول اكتشفت بشاعات دى
لأنك كنت فى النهاية طفل أه ممكن كنت عيل بارد مثلا بس احنا بنبقى بشعين من كلية و طالع ههههههه

بس تصدق كده جه فى بالى حاجة و انا بكتب الكومن دلوقتى يتهيأ لى أنا احنا لسه مش عارفين نتكيف أوى , بس بطريقة مختلفة , صح؟؟

youssef يقول...

صح

بس لازم تكملي سياح للآخر .. طب ماتخلي ف سرك و خلاص :))

Che يقول...

بوست جميل أوى يا ساره ... مش عارف حسيت ليه فيه بالنوستالجيا
و بجد انا كل يوم بقول لو عندنا مليون واحد بيفكروا فى نقطه مسلم و مسيحى بالشكل اللى انتى بتفكرى فيها بيه و الشكل اللى انتى اتربيتى عليه اكيد البلد دى كان اتصلح حالها فى حاجات كتير
كنت زمان بقولك مستواكى اتطور بطريقه مريبه ، بس دلوقتى المستوى ده هو الاساس و انا مستنى لسه اكتر

غير معرف يقول...

جميل جدا يا سارة، و انا مستمتع دائما بالتعليقات، و المقدس الي بيقول عليه التعليق بتاع كراكيب من الممكن يكون قصده الفيلم بتاع حسن و مرقص بتاع عادل امام، المهم انا انشكحت من البوست و سلامي لكم جميعا،
عمك من اعماق الأعماق

sab7al5air يقول...

جميل البوست وجميلون نحن في طفولتنا عجبني اسلوب حكيك
تعليق صغيرون ياريت لو تقللي الخط عشان انا تهت بين السطور الطويله ولا اقولك انا حارجع اقرا تاني امكن المشكله من التعب
تحياتي وياريت اشوفك في مدونتي
علا

norahaty يقول...

فعلاً كلام
تحس أنه طالع
من قلب طفــــلة
بلا رتوش ولا تزويق

norahaty يقول...

عجبتنى المدونة
بس ليه توقفتى؟